أبي منصور الماتريدي
597
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
قال بعضهم : [ نزلت ] « 1 » في أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم ، وذلك أن نفرا منهم قد مثلوا يوم أحد مثلة سيّئة : من قطع الآذان ، وتجديع الأنوف ، وبقر البطون ، ونحوه ؛ فقال أصحابهم : لئن أدالنا الله منهم لنفعلن ولنفعلن كذا وكذا . فأرادوا أن يجازوا بذلك ؛ فأنزل الله : وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ . . . الآية [ النحل : 126 ] « 2 » . وفيه البشارة لهم بالنصر والظفر على أعدائهم ؛ لأنه لو لم يكن لهم الظفر فكيف يقدرون على معاقبة مثل ما عاقبوا ؛ دل أنه على البشارة لهم بالنصر والظفر بهم . وفيه دلالة جواز أخذ من لم يتولّ القتل والأخذ والضرب ؛ لما لعلهم لا يظفرون بأولئك الذين تولّوا ذلك ، لكن لا يؤاخذ إخوانهم بهم ؛ لما بمعونة بعضهم بعضا فيها ، ويكون فيه دليل أخذ قطاع الطريق بالقتل والقطع ، وإن كان الذي تولّى ذلك بعض منهم ؛ لما أن من تولّى ذلك إنّما تولى بمعونة من لم يتول . وقال بعضهم « 3 » : إنما نزلت الآية في ابتداء الأمر الذي كان القتل مع الكفرة قتل مجازاة ؛ مثل قوله : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً [ التوبة : 36 ] ، وكقوله : فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [ البقرة : 191 ] ، ومثله ؛ فإذا كان على المجازاة أمر ألا يتجاوزوا عقوبتهم ، ولكن بمثله ، وأمّا إذا كان القتال معهم لا قتال مجازاة فإنهم يقتلون جميعا إذا أبوا الإسلام ؛ بقوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . . الآية [ التوبة : 29 ] ، وقوله - عليه السلام - : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلّا الله » « 4 » ، وقوله - تعالى - تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] . وقال بعضهم « 5 » : لا ، ولكن قد نزلت في أهل الإسلام ، وحكمه في القصاص والقطع فيما دون النفس والجراحات : أمر ألا يتجاوزوا حقوقهم ؛ كقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] ، وقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ . . . الآية [ البقرة : 194 ] ، وقوله :
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ورد في هذا المعنى أحاديث عن أبي بن كعب وأبي هريرة وابن عباس . حديث أبي بن كعب : أخرجه الترمذي وحسنه ، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند ، والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن مردويه والحاكم وصححه ، والبيهقي في الدلائل . حديث أبي هريرة : أخرجه ابن سعد والبزار وابن المنذر وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل . حديث ابن عباس : أخرجه ابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل ، وهي جميعها في الدر المنثور ( 4 / 255 ) ، وهو قول الشعبي وعطاء بن يسار وقتادة وابن جريج . ( 3 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير ( 22001 ) ، وابن مردويه عنه ، كما في الدر المنثور ( 4 / 256 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) قاله محمد بن سيرين بنحوه ، أخرجه ابن جرير ( 22003 ) ، وعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه كما في الدر المنثور ( 4 / 256 ) ، وهو قول إبراهيم والحسن وعبد الرزاق وسفيان ومجاهد .